عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

108

اللباب في علوم الكتاب

وروى عنه غيره « أدركوا » بفتح الهمزة مقطوعة ، وسكون الدّال وفتح الرّاء ، أي : أدرك بعضهم بعضا . وقال أبو البقاء « 1 » : وقرىء « 2 » : « إذا ادّاركوا » بألف واحدة ساكنة بعدها دال مشدّدة ، وهو جمع بين ساكنين ، وجاز في المنفصل كما جاز في المتّصل ، وقد قال بعضهم : « اثنا عشر » بإثبات الألف وسكون العين ، يعني بالمتصل نحو : « الضّالين » وجانّ ، ومعنى المنفصل أنّ ألف « إذا » من كلمة ، والسّاكن الثاني من كلمة أخرى . و « ادّاركوا » بمعنى تلاحقوا ، وتقدّم تفسير هذه المادة [ النساء : 78 ] . و « جميعا » حال من فاعل « ادّاركوا » . قوله : أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ يحتمل أن تكون فعلى أنثى أفعل الذي للمفاضلة ، والمعنى على هذا كما قال الزمخشريّ « 3 » : « أخراهم منزلة ، وهم الأتباع [ والسّفلة ] ، لأولاهم منزلة وهم القادة والرؤساء » . ويحتمل أن تكون « أخرى » بمعنى آخرة تأنيث آخر مقابل الأوّل ، لا تأنيث « آخر » الذي للمفاضلة كقوله : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ فاطر : 18 ] . والفرق بين أخرى بمعنى آخرة ، وبين أخرى تأنيث آخر بزنة أفعل للتفضيل ، أن التي للتفضيل لا تدلّ على الانتهاء ، كما لا يدلّ عليه مذكّرها ، ولذلك يعطف أمثالها عليها في نوع واحد تقول : مررت بامرأة وأخرى وأخرى كما تقول : مررت برجل وآخر وآخر ، وهذه تدلّ على الانتهاء ، كما يدلّ مذكّرها ، ولذلك لا يعطف أمثالها عليها ، ولأنّ الأولى تفيد إفادة « غير » ، وهذه لا تفيد إفادة « غير » . والظّاهر في هذه الآية الكريمة أنّهما ليستا للتّفضيل ، بل لما ذكرنا . قال ابن عباس ومقاتل : « أخراهم دخولا في النار لأولاهم دخولا فيها » « 4 » . واللام في « لأولاهم » للتّعليل أي : لأجل ، ولا يجوز أن تكون التي للتّبليغ كهي في قولك : قلت لزيد افعل . قال الزمخشريّ « 5 » : « لأنّ خطابهم مع اللّه لا معهم » ، وقد بسط القول قبله في ذلك الزّجّاج « 6 » فقال : « والمعنى : وقالت أخراهم : يا ربّنا هؤلاء أضلّونا ، لأولاهم » فذكر نحوه . قال شهاب الدّين : وعلى هذا فاللّام الثّانية في قوله : « أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ » يجوز أن

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 273 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 273 . ( 3 ) ينظر : الكشاف 2 / 103 . ( 4 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 14 / 61 ) عن مقاتل . ( 5 ) ينظر : الكشاف 2 / 103 . ( 6 ) ينظر : معاني القرآن للزجاج 2 / 371 .